عبد الرحمن بن ناصر السعدي
593
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
هؤلاء ينطقون ) * أي : هذا أمر متقرر من حالها ، لا يقبل الإشكال والشك . فلجؤوا إلى تقليد آبائهم الضالين ، فقالوا : * ( بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ) * ، فتبعناهم على ذلك ، وسلكنا سبيلهم ، وحافظنا على عاداتهم . فقال لهم إبراهيم : أنتم وآباؤكم ، كلكم خصوم في الأمر ، والكلام مع الجميع واحد . * ( أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي ) * فليضروني بأدنى شيء من الضرر ، وليكيدوني ، فلا يقدرون . * ( إلا رب العالمين * الذي خلقني فهو يهدين ) * هو المتفرد بنعمة الخلق ، ونعمة الهداية للمصالح الدينية والدنيوية . ثم خصص منها بعض الضروريات فقال : * ( والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) * . فهذا هو وحده المنفرد بذلك ، فيجب أن يفرد بالعبادة والطاعة ، وتترك هذه الأصنام ، التي لا تخلق ، ولا تهدي ، ولا تمرض ، ولا تشفي ، ولا تطعم ولا تسقي ، ولا تميت ، ولا تحيي ، ولا تنفع عابديها ، بكشف الكروب ، ولا مغفرة الذنوب . فهذا دليل قاطع ، وحجة باهرة ، لا تقدرون أنتم وآباؤكم على معارضتها ، فدل على اشتراككم في الضلال ، وترككم طريق الهدى والرشد . قال الله تعالى : * ( وحاجه قومه قال : أتحاجوني في الله وقد هداني ) * الآيات . ثم دعا عليه السلام ربه فقال : * ( رب هب لي حكما ) * أي : علما كثيرا ، أعرف به الأحكام ، والحلال والحرام ، وأحكم به بين الأنام . * ( وألحقني بالصالحين ) * من إخوانه الأنبياء ، والمرسلين . * ( واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) * أي : اجعل لي ثناء صدق ، مستمر إلى آخر الدهر . فاستجاب الله دعاءه ، فوهب له من العلم والحكم ، ما كان به من أفضل المرسلين ، وألحق بإخوانه المرسلين ، وجعله محبوبا مقبولا ، معظما مثنيا عليه ، في جميع الملل ، في كل الأوقات . قال تعالى : * ( وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم * كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين ) * . * ( واجعلني من ورثة جنة النعيم ) * أي : من أهل الجنة ، التي يورثهم الله إياها ، فأجاب الله دعاءه ، فرفع منزلته في جنات النعيم . * ( واغفر لأبي إنه كان من الضالين ) * وهذا الدعاء ، بسبب الوعد الذي قال لأبيه : * ( لأستغفرن لك ربي إنه كان بي حفيا ) * . قال تعالى : * ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ، فلما تبين له أنه عدو لله ، تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم ) * . * ( ولا تخزني يوم يبعثون ) * أي : بالتوبيخ على بعض الذنوب ، والعقوبة عليها ، والفضيحة . بل أسعدني في ذلك اليوم الذي فيه * ( لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم ) * فهذا الذي ينفعه عندك ، وهذا الذي ينجو به من العقاب ، ويستحق جزيل الثواب . والقلب السليم ، معناه ، الذي سلم من الشرك والشك ، ومحبة الشر ، والإصرار على البدعة ، والذنوب ، ويلزم من سلامته مما ذكر ، اتصافه بأضدادها ، من الإخلاص ، والعلم ، واليقين ، ومحبة الخير ، وتزيينه في قلبه . وأن تكون إرادته ومحبته ، تابعة لمحبة الله ، وهواه ، تابعا لما جاء عن الله . ثم ذكر من صفات ذلك اليوم العظيم ، وما فيه من الثواب والعقاب فقال : * ( وأزلفت الجنة ) * أي : قربت * ( للمتقين ) * ربهم ، الذين امتثلوا أوامره ، واجتنبوا زواجره ، واتقوا سخطه وعقابه . * ( وبرزت الجحيم ) * أي : برزت ، واستعدت بجميع ما فيها من العذاب ، * ( للغاوين ) * الذين أوضعوا في معاصي الله ، وتجرؤوا على محارمه ، وكذبوا رسله ، وردوا ما جاؤوهم به من الحق . * ( وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون * من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون ) * بأنفسهم أي : فلم يكن من ذلك من شيء . وظهر كذبهم وخزيهم ، ولاحت خسارتهم وفضيحتهم ، وبان ندمهم ، وضل سعيهم . * ( فكبكبوا فيها ) * أي : ألقوا في النار * ( هم ) * أي : ما كانوا يعبدون . * ( والغاوون ) * العابدون لها . * ( وجنود إبليس أجمعون ) * من الإنس والجن ، الذين أزهم إلى المعاصي أزا ، وتسلط عليهم بشركهم وعدم إيمانهم ، فصاروا من دعاته ، والساعين في مرضاته ، وهم ما بين داع لطاعته ، ومجيب لهم ، ومقلد لهم على شركهم . * ( قالوا ) * أي : جنود إبليس الغاوون ، لأصنامهم ، وأوثانهم التي عبدوها : * ( تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين ) * في العبادة والمحبة ، والخوف ، والرجاء ، وندعوكم كما ندعوه ، فتبين لهم حينئذ ، ضلالهم ، وأقروا بعدل الله في عقوبتهم ، وأنها في محلها ، وهم لم يسووهم برب العالمين ، إلا في العبادة ، لا في الخلق بدليل قولهم * ( برب العالمين ) * إنهم مقرون أن الله رب العالمين كلهم ، الذين من جملتهم أصنامهم وأوثانهم . * ( وما أضلنا ) * عن طريق الهدى والرشد ، ودعانا إلى طريق الغي